ريشة في ساحة المعركة
الكاتبةالاعلامية ندين نبيل ابوصالحه لبنان 🇱🇧
كان رجلاً اعتاد أن يُعطى الأمر فيُنفّذ.
عالمه خطوط مستقيمة، أوامر حادة، صمت ثقيل.
وجهه لا يلين، خطوته لا تتردد، وجوده يملأ المكان حتى قبل أن يدخل.
لم يعتد أن يلاحظ التفاصيل الصغيرة.
حتى ذلك اليوم.
رآها من بعيد.
خفة لا تُوضع في الميزان، حركة لا تتبع قانون الجاذبية.
كأن الأرض تحتها أقل صلابة، والهواء حولها أهدأ.
لم تتكلم، لم تحاول لفت الانتباه.
لكن شيئاً في إيقاعها سحب عينيه رغماً عنه.
هو الذي لا تُشتت انتباهه معارك،
تشتّت انتباهه خطوة واحدة منها.
لم يقترب.
لم يسأل.
لكن شيئاً داخله توقف عن كونه صلباً بالكامل.
كأن جزءاً منه تذكّر أن هناك أشياء لا تُقاس بالقوة، ولا تُؤمر فتطيع.
وهي لم تنتبه.
كانت مشغولة بعالمها، حيث كل حركة محسوبة، وكل صمت موسيقى.
لم تدرِ أن هناك من يقف على مسافة بعيدة،
يُراقب الخفة كأنه يرى شيئاً نادراً لا يُعاد.
الجاذبية هنا لم تكن صراعاً.
كانت صمتاً.
صمت رجل معتاد على الضجيج، أمام امرأة معتادة على السكون.
صمت يقول أكثر من أي أمر.
وفي النهاية، لم يتغير أحد.
بقي هو صلباً حيث يجب،
وبقيت هي خفيفة حيث اعتادت.
لكن بين الصلابة والخفة، تشكّلت مسافة قصيرة جداً...
مسافة تكفي ليفهم كل منهما أن هناك عالماً آخر يستحق أن يُرى.
مرت الأيام، وعاد إلى المعركة.
غبار، صراخ، أوامر لا تتوقف.
والسماء فوقه رمادية، ثقيلة كقلبه.
وفجأة ريشة.
ريشة بيضاء خفيفة، تقاوم الريح وتطير وحدها فوق ساحة القتال.
لا تنتمي للمكان، لا تشبه الضجيج، لا تخاف السقوط.
تطير كأنها ترقص.
في لحظة، لم يعد يرى الدخان.
عاد يراها هي.
راقصة الباليه التي كانت تدور بخفة لا تصدق،
وكأن كل خطوة منها تمحو أثر التعب من جسده.
تذكّر كيف كان يقف بعيداً، صامتاً،
وكيف كان قلبه يدق مع كل حركة لها.
كأنها ترقص له وحده،
وكأنها تقول: هنا بلسمك، هنا راحتك، هنا ما يخفف عنك ألم هذا العالم.
في وسط المعركة، وجد شيئاً لا يُقتل.
الخفة التي لا تموت،
والذكرى التي ترد الروح حين يغيب كل شيء.
ومن يومها، صار يعرف أن القوة وحدها لا تكفي.
وأن هناك أشياء هشة كالريشة،
تحمل في داخلها القدرة على إنقاذ رجل بأكمله من قسوته. واعطاء المحبة لة لكي تروى مايتبع في احداث القادمة



0 تعليقات