بصائر السائرين الجزء السابع
حجة الوداع والوفاة: كمال التشريع ووصايا الوداع للأمة
عقيد محمود سودان يكتب ... 🇪🇬
المصدر: مستنبط من "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم
نصل اليوم في سلسلة "بصائر السائرين" إلى المحطة الختامية من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهي المرحلة التي يصفها الإمام ابن القيم بأنها مرحلة "البلاغ المبين" وإتمام النعمة. ففي حجة الوداع ولحظات الوفاة، تجلى هديه في أكمل صوره التشريعية والتربوية، تاركاً للأمة دستوراً لا تضل بعده أبداً.
أولاً: حجة الوداع.. الفصل الأضخم في "زاد المعاد"
أفرد ابن القيم فصلاً هائلاً لحجة الوداع، ليس فقط لكونها الحجة الوحيدة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، بل لأنها كانت "المرجع العملي" لجميع مناسك الحج.
1. استنباط المناسك: تتبع ابن القيم هدي النبي (صلى الله عليه وسلم) من لحظة إحرامه إلى طواف الوداع، مستخرجاً مئات الأحكام الفقهية. علّمنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الحج ليس مجرد شعائر، بل هو إعلان لتوحيد الله ونبذ كل مآثر الجاهلية.
2. خطبة عرفات (دستور حقوق الإنسان): ركز ابن القيم على مضامين خطبته العظيمة التي أرسى فيها:
• حرمة الدماء والأموال والأعراض.
• إبطال الربا ومظالم الجاهلية.
• الوصية بالنساء خيراً.
• مبدأ المساواة (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى).
ثانياً: هديه (صلى الله عليه وسلم) في التوديع وإكمال الرسالة
بعد الحج، بدأت تظهر علامات الوداع في هديه وسلوكه، وهو ما يحلله ابن القيم بمنظور إيماني ومنهجي عميق:
• بيان اكتمال الدين: نزل قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم"، وكان هديه (صلى الله عليه وسلم) في تلك الفترة هو التأكيد على التمسك بالكتاب والسنة كعاصم من الضلال.
• تجهيز جيش أسامة: حتى في مرضه الأخير، كان هديه هو استمرار العمل وتأمين ثغور الدولة، مما يدل على أن المنهج النبوي لا يتوقف بموت القائد، بل يستمر بالمؤسسة التي بناها.
ثالثاً: اللحظات الأخيرة.. هدي الصبر واليقين
يتناول ابن القيم مرض النبي (صلى الله عليه وسلم) ووفاته بأسلوب يجمع بين الرقة والاستنباط الفقهي:
1. هديه في المرض: كان يوجه الأمة بالصبر، ويحرص على الصلاة في المسجد ما استطاع، مؤكداً أن الصلاة هي عماد هذا الدين وصلة العبد بربه.
2. الوصايا الأخيرة: ركزت وصاياه وهو على فراش الموت على "الصلاة" و"ملك اليمين" (الإحسان للضعفاء)، والتحذير من الغلو في القبور، مما يؤسس لحماية جناب التوحيد حتى في آخر أنفاسه.
3. فقه الوفاة: استنبط ابن القيم من كيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه (صلى الله عليه وسلم) أحكام الجنائز التي تتبعها الأمة إلى يومنا هذا.
الخلاصة المنهجية للسلسلة:
إن كتاب "زاد المعاد"، ومن خلال هذه الرحلة التي استعرضناها، يثبت أن السيرة النبوية ليست تاريخاً يُحكى، بل هي "هدي يُتبع". لقد بدأنا بـ "الاختيار الإلهي" وانتهينا بـ "كمال التشريع"، لنكتشف أن كل سكنة وحركة للنبي (صلى الله عليه وسلم) كانت لبنة في بناء حضارة إسلامية متكاملة، تربوياً، وسياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً.
إن "بصائر السائرين" هي دعوة لكل مسلم ومسؤل وقائد، أن يجد في هدي خير العباد (صلى الله عليه وسلم) الزاد الحقيقي لمعاده ودنياه.
أشكركم على متابعة هذه السلسلة المباركة ، وأسأل الله أن ينفعنا بما قرأنا، ويجعلنا من المقتفين لأثر النبي صلى الله عليه وسلم في كل شؤون حياتنا.
تمت السلسلة بحمد الله.
والله أعلم

0 تعليقات