قراءة تحليلية لمقال اللواء أشرف حماد
فى الجون 4
أحييك سيادة اللواء على هذا المقال البالغ العمق والذي نجحتم فيه بتفكيك المشهد عبر مسارين متوازيين حركة القطع على الرقعة الاستراتيجية والفلسفة الوجودية الكامنة وراء هذه التحركات.
لقد التقطتَ بدقة بالغة نقطة التحول الجوهرية في الاستراتيجية الإيرانية حيث أوضحتم كيف رفضت طهران الاستسلام للحصار الأمريكي الطويل الذي يعني الموت البطيء وانتقلت بجرأة من الدفاع إلى الهجوم بإغلاق مضيق هرمز والتلميح لتفعيل جبهة باب المندب واستهداف كابلات الإنترنت. لقد أوضحتَ هنا كيف حوّلت إيران الأزمة بنجاح من خناق محلي مفروض عليها إلى أزمة طاقة وملاحة واقتصاد عالمي يتضرر منها الجميع لضمان سرعة الحل والعمل بمبدأ عليّ وعلى أعدائي حيث لم تعد تقاس القوة بضخامة الآلة العسكرية، بل بالقدرة على إحداث الفوضى المنظمة التي تحوّل الردع إلى ألم معولم يُجبر الخصوم على الشعور بوجع الضحية ذاته لكسر العزلة.
ثم وضعتَ يدك على التراجع الحاد في سقف الأهداف الأمريكية فبعد شعارات بداية الحرب الصاخبة بتغيير النظام ومنع القنبلة الذرية تراجعت واشنطن ليكون الحصار البحري مجرد طوق لإنقاذ هيبتها. هذا التوصيف يوضح كواليس تبدل الموقف الأمريكي وبحث إدارة ترامب عن مخرج دبلوماسي يحفظ الهيبة عبر نقطة في منتصف الطريق وتقديم رشاوى سياسية لا تريق ماء وجهها حيث تبخرت الظلال الضخمة للشعارات الأولى أمام صخرة الواقع وتجلت رؤيتك في رصد عمليةالتمييـع كأداة لإحالة الواقع إلى وهم تائه في الزمن ليصبح الحفاظ على الصورة والصوت الانتخابي أهم من النصر الفعلي.
ثم انتقلت بنا بذكاء المحلل الخبير وفككت شفرة الوعود المعسولة التي قطعتها بكين لترامب بوقف إمداد طهران بالتكنولوجيا والصواريخ فرط الصوتية والرقائق الإلكترونية مقدمًا للقارئ معادلة توقيت شديدة الذكاء اختصرتها في عبارتك البليغة ما تم قبل لقاء ترامب قد تم حيث كشفتَ كيف استبقت بكين وطهران اللقاء بإغراق الأخيرة بكل ما تحتاجه لسنوات لتأتي الوعود الصينية لاحقاً ملتزمة بحظر مستقبلي لن تجد الأقمار الصناعية الأمريكية خرقاً واحداً له دون أن تتأثر قدرات طهران الحالية ذرة واحدة إذ تتحرك الصين براغماتياً في المساحات الرمادية التي تعجز الآلة العسكرية والتكنولوجية عن رصدها.
ثم ختمت مقالك بلمحة استشرافية دقيقة حول الدور الروسي الذي يقف ذكياً في طابور الصفقات المنتظرة بين ترامب وبوتين لتعيد رسم موازين القوى متعددة الأقطاب حيث أوضحت كيف ستعرف موسكو سبيل تعظيم مكاسبها من هذا المأزق الأمريكي مستفيدة من الموقف دون أن تسمح بخسارة حليفتها طهران. ففي حين تندفع القوة الإمبراطورية أمريكا دون وعي بحدودها وتستنزف نفسها ذاتياً يكتفي الدب الروسي بمراقبة هذا التآكل ليقدم نفسه في النهاية كعنصر توازن لا غنى عنه لقطف ثمار النظام الدولي الجديد
ختاماً
إن مقالكم في الجون 4 هو تشريح استراتيجي وفلسفي معمق لطبيعة النظام الدولي المعاصر. لقد أثبتَّ أن القوة الصلبة الغاشمة حين تفقد الوعي بحدودها، تتحول إلى عبء وسجن لصاحبها وأن الطرف الذي يمتلك فلسفة الصمود المستميت وإدارة الأوراق بذكاء ونَفَس طويل
قادر على تفكيك غطرسة أعتى الإمبراطوريات وإجبارها على النزول إلى أرض الواقع للتفاوض والمساومة.
لقد أصبت الهدف كالعادة في الجون ومنحتنا وعياً نرى من خلاله المشهد في عمقه الوجودي والسياسي بغير تزييف. دمتم لنا فكراً استراتيجياً وعسكرياً رفيعاً وصاحب قلم يملك دائماً فصل الخطاب في قراءة تحولات هذا العالم.

0 تعليقات