رحاب النحاس تكتب كل يوم حكايه تستحق الكلام

 

كل يوم حكايه تستحق الكلام




كلامنا اليوم عن  أرواح تبكي وعيون تحتفل   حكايات لا يراها أحد


بقلم  رحاب النحاس   مصر


ليس كل من يضحك سعيدا، وليس كل من يشارك الآخرين لحظات الفرح يعيش السلام نفسه في داخله. ففي الوقت الذي تنشغل فيه العيون بالاحتفال، هناك أرواح تحاول أن تخفي وجعا لا تستطيع البوح به، وقلوب تتظاهر بالقوة حتى لا يلاحظ أحد حجم ما أصابها. قد تجلس إلى جوار إنسان يبتسم لك، بينما يحمل في صدره حزنا لو عرفته لتغيرت طريقتك في الحديث معه. هكذا تمضي الحياة؛ أفراح تتسع لها الأماكن، وأوجاع لا تجد في بعض الأحيان مكانا آمنا لتسكن إليه.


كم من إنسان اضطر إلى مواصلة يومه رغم أنه لم يعد يملك الطاقة لفعل شيء، وكم من قلب افتقد شخصا لن يعوضه أحد، وكم من روح خذلتها الأيام في الوقت الذي كانت تنتظر فيه يدًا تمتد إليها. ليست كل الخسارات معلنة، ولا كل الانكسارات تترك أثرا يراه الناس. هناك معارك لا يسمع أحد صوتها، ودموع تسقط بعيدا عن العيون، وأشخاص لا يريدون سوى أن يمر يومهم دون أن يضطروا إلى تبرير حزنهم أو ارتداء ابتسامة لا تشبه ما يشعرون به.


لا أحد مطالب بأن يؤجل فرحته من أجل حزن الآخرين، فالحياة أقصر من أن نحرم أنفسنا لحظاتها الجميلة، لكن الإنسانية تفرض علينا ألا ننسى أن لكل إنسان حكايته، وأن ما يبدو لنا أمرا بسيطا قد يكون فوق احتمال شخص آخر. كلمة قاسية في غير موضعها، أو سخرية من مشاعر لا نفهمها، أو حكم متسرع على إنسان اختار الصمت، قد تترك في نفسه أثرا لا نعرف مداه. وفي المقابل، قد تصنع كلمة طيبة فارقا حقيقيا، وقد يمنح الاهتمام الصادق إنسانا أنهكه التعب سببا جديدا للمحاولة.


أرواح تبكي وعيون تحتفل.. ليست المشكلة أن يفرح البعض ويحزن البعض الآخر، بل أن نعتاد مشاهد الألم حتى نتوقف عن الشعور به. أن نرى الحزن فلا نتوقف، ونسمع الاستغاثة فلا نلتفت، ونظن أن ما دام الوجع بعيدا عنا فلا شأن لنا به. والحقيقة أن قيمة الإنسان لا تظهر فقط في المواقف الكبيرة، بل في التفاصيل الصغيرة التي تكشف مقدار ما يحمله من رحمة، وفي قدرته على أن يكون رحيما دون أن يعرف الحكاية كاملة.


فلنفرح حين تأتينا الفرحة، ولنحتفظ بذكرياتنا الجميلة، لكن لا نجعل سعادتنا سببا في تجاهل من يتألمون. ليس مطلوبا منا أن نداوي كل جرح، ولا أن نجد إجابة لكل حزن، لكن يكفينا ألا نكون سببا في وجع جديد، وألا نبخل على إنسان بكلمة طيبة أو سؤال صادق أو موقف يشعره بأنه ليس وحده.


ففي هذه الحياة، التي لا تمنح أحدا السعادة كاملة ولا تعفي أحدا من الألم، قد نكون نحن أصحاب العيون التي تحتفل اليوم، وغدا نحتاج إلى قلب يفهم صمتنا. وحينها سندرك أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في حياة غيره ليس صورة في مناسبة سعيدة، بل أثرا طيبا يبقى في الذاكرة، ورحمة تصل إلى القلب في الوقت الذي يحتاج إليها أكثر من أي وقت آخر.








إرسال تعليق

0 تعليقات