ايمن شاكر يكتب النصّ الأدبيّ ليس زينةً نُعلّقها على جدران العمر

 

النصّ الأدبيّ ليس زينةً نُعلّقها على جدران العمر 




إنه معطفٌ من ورق نرتديه حين يعرّي البردُ أرواحنا


بقلم : أيمن شاكر 


ليست الكتابةُ عندنا ترتيبَ ألفاظٍ على بياض ، ولا رصفَ جُملٍ تبحث عن إعجابٍ عابر ؛ إنها ترتيبٌ لأنفسنا بين الحروف ، نُخرج من صدورنا ما ثقل ، ونضع في السطور وجوهًا أنهكها التنكّر ، وأصواتًا كتمها الضجيج ، نكتب لنقول ما لم تقله ألسنتنا ، ونقرأ لنسمع ما كتمته قلوبنا ، فالنصّ الأدبيّ ليس زينةً نُعلّقها على جدران العمر ، ولا ترفًا نقتل به الفراغ ؛ إنه معطفٌ من ورق نرتديه حين يعرّي البردُ أرواحنا ، ونافذةٌ صغيرة نفتحها على هواءٍ دافئ حين يُغلق العالم أبوابه في وجوهنا.


نلوذ بالنصّ الدافئ هربًا من صقيع الأيام ، كما نُجالس الليلَ طويلًا فتَسرقنا الأفكار ، وتذهب بنا إلى حيث لا نريد ، نقرأ لا لنمرّ على السطور مرورَ العابرين ، بل لنبحث فيها عن ملامحنا المخفية ، وعن حكاياتٍ عشناها بعمق ، وذقنا طعم الصدق فيها ، ثم ظنّنا أننّا نسيناها .


غير أنّ الكلمة الصادقة لا تموت ؛ إنها تنتظرنا في صفحةٍ ما ، فإذا وقعت عليها أعيننا ، انفتح في القلب بابٌ قديم ، وخرجت منا حكايةٌ كانت محبوسة بين الضلوع ، عندئذٍ ندرك أننا لم نكن نقرأ نصًّا ، بل كنّا نقرأ أنفسنا على مهل ، ونصالحها على ما فعلت بنا الأيام .


وكم من كتابٍ مرّ بنا فلم يغيّر فينا شيئًا ، وكم من جملةٍ واحدةٍ أعادت إلينا إنسانًا كاملًا !


إنّ النصوص التي تبقى فينا ليست تلك التي تتفلّف بالبلاغة ، بل تلك التي تلمس جرحًا لم نُخبر به أحدًا ، وتقول لنا بلغةٍ خفيضة : أنت لست وحدك ، هنا تصبح القراءة نجاةً صغيرة ، وتصبح الكتابة اعترافًا مؤجّلًا ، نحن نكتب لنُرتّب الفوضى التي داخلنا ، ونقرأ لنجد من رتّبها قبلنا في نصٍّ لا يعرفه إلا من ذاق ذات الوجع .


وحين نجد من يقرؤنا بقلبهم قبل عينيهم ، نشعر أنّ العالم لم يكن باردًا تمامًا ، هناك من يسمع ما لم نقله ، ويرى ما أخفيناه ، ويمرّ على سطورنا كما يمرّ المسافر على نافذةٍ مضاءةٍ في ليلٍ طويل . هؤلاء وحدهم يعرفون أن الكلمات ليست حبرًا ، بل أنفاساً نضعها على الورق لعلّ أحدًا يلتقطها . 


لذلك ، سلامٌ على الذين يقرؤوننا بقلوبهم قبل أعينهم ؛ سلامٌ على من رأوا فينا ما لم نره في أنفسنا ، وعلى من أنقذونا من صقيع العالم بجملةٍ دافئةٍ لم يعرفوا حجمها ، وعلى من جلسوا مع نصوصنا كما يُجالس الليلُ أرواحَ المتعبين .


فإن سألوك يومًا : لماذا تقرأ ؟ فقل : لأني أبحث عن نفسي في غيري ، لأني أريد أن أرتّب روحي في كلماتٍ لا تخون ، لأنّ في العالم بردًا كثيرًا ، وفي الكلمات بيتًا لا يُغلق بابه ، وقل لهم أيضًا : نحن لا نكتب لنُرى ، بل لنقرأ بالقلب ؛ ولا نقرأ لنمرّ على السطور ، بل لنشعر أن أحدًا مرّ بنا ولم يتجاوزنا 


فيا أيها القارئُ الذي يضع قلبَه بين السطور قبل عينيه : أنت لا تقرأ نصّي ، أنت تُنقذني من بردٍ لا يعرفه أحد .


سلامٌ عليك ، وسلامٌ على قلبٍ جعل من حروفي وطنًا ، ومن صمتي كلامًا ، ومن عتمتي فجرًا . سلامٌ على من قرأني بالقلب ، فلم أبقَ وحيدًا .


سنلتقى إن كان فى العمر بقيه






إرسال تعليق

0 تعليقات