حين أصبحت الكتابة صديقتي
بقلم منى بغدادي مصر 🇪🇬
لم أكن أعلم أن للكلمات قدرة على إحتواء ما تعجز الروح عن قوله و أن الكتابة قد تصبح يوماً أقرب إليّ من كثير من الأشياء التي ظننت أنني أجد فيها راحتي .
لم تأتِ الكتابة إلى حياتي في ثوب المنقذ ، ولم تمد لي يدها لتنتشلني من وجعي ، لكنها منحتني مساحة أستطيع فيها أن أكون أنا ، بلا تكلف ، بلا تبرير ، وبلا خوف من أن يُساء فهم ما أشعر به .
حين أكتب عن وجعي ، لا أكون مجرد إنسانة تحكي ما حدث لها ؛ بل أعود إلى تفاصيله وأستعيد مشاعره وألمس مواضع الألم التي تركها في داخلي . أحياناً أتوجع وكأنني أعيش التجربة من جديد ، و أحياناً أشعر بأنني أُفرغ من روحي حملاً أثقلني طويلاً .
وهكذا أجدني أعيش مشاعر متناقضة في اللحظة نفسها ؛ أتألم وأنا أكتب وأرتاح لأنني أتكلم ، ثم أفرح حين أضع النقطة الأخيرة ، وأتأمل ما صنعت يداي من كلمات .
أيُّ مفارقة هذه ؟ أن يخرج من الوجع شيء جميل ، وأن تحمل الكلمات بعضاً من الألم الذي أنجبها ، ثم تمنحني في النهاية شعوراً بالرضا !
ومع مرور الوقت ، اكتشفت أنني لم أعد أقرأ كلماتي القديمة بالإحساس نفسه الذي كتبتها به . صار الوجع أخف ، لا لأنني نسيت ما حدث ، بل لأنني أعرف نهايته ، ولأنني أدرك أنني تجاوزت لحظات ظننت يوماً أنني لن أستطيع عبورها .
والأغرب أنني حين أتأمل تلك الكلمات ، لا أرى الألم وحده ؛ أرى أيضاً إنسانة تغيرت ، وقوة لم تكن تعرف أنها تمتلكها ، ونظرة إلى الحياة لم تكن لتصل إليها بالطريقة نفسها لولا ما عاشته .
لم تُغير الكتابة ما حدث ، لكنها منحتني فرصة لأن أراه بعين أخرى ، وأن أجد في داخلي مساحةً للتعبير والفهم وأن أكتشف أن الإنسان قد يحمل في تجربته الواحدة وجعاً يثقله ، ومعنى يساعده على النهوض .
وهنا أدركت أن الكتابة لم تعد مجرد هواية أمارسها ، أو كلمات أرتبها على الورق ؛ لقد أصبحت مساحةً أعود إليها كلما ازدحمت مشاعري ، و أماناً أجد فيه حرية التعبير عما لا أستطيع قوله ، و رفيقة لا تطلب مني أن أبدو قوية طوال الوقت .
لقد أصبحت الكتابة صديقتي ؛ أذهب إليها بما أحمل ، وأترك عندها ما أستطيع قوله ، وأعود منها وأنا أكثر قدرةً على فهم نفسي .
ولعل أجمل ما في هذه الصداقة أنها لا تشترط عليّ أن أكون بخير كي أكتب ولا أن أخفي وجعي كي أبدو قوية ؛ يكفيني أن أكون صادقة مع نفسي ، وأن أترك للكلمات حرية أن تقول ما يعجز قلبي عن شرحه .
لم تعد الكتابة عندي محاولةً للهروب من الألم ، ولا إستسلاماً له ؛ بل أصبحت طريقتي في التعبير عنه ، وفهمه ، ومنح ما عشته صوتاً .
وحين أصبحت الكتابة صديقتي ، لم تختفِ أوجاعي ، لكنني وجدت مساحةً أستطيع فيها أن أعبر عنها ، وأن أرى نفسي بعيداً عن حدودها .
فبعض الصداقات لا تأتي لتغير العالم من حولنا ، بل لتمنحنا مكاناً نستطيع فيه أن نكون على حقيقتنا .
وكانت الكتابة واحدةً من تلك الصداقات التي لم أكن أعلم أنني أحتاج إليها … حتى وجدتني أعود إليها كلما احتجت أن أسمع صوتي أنا .




0 تعليقات