حفيدي
قلبٌ صغير يُعيدني إلى الحياة
بقلم :الإعلامي سعد غنيم
بعد سنوات طويلة من السعي والعمل، وبعد أن تظن أنك عرفت الحياة بأفراحها وأوجاعها، تأتيك نبتة صغيرة، فتكتشف أن في قلبك مكانًا لم تصله الفرحة من قبل. مكانًا ظل ينتظر يدًا صغيرة تمسك بأصابعك، وعينين لا تعرفان عن الدنيا شيئًا، حتى يمتلئ قلبك بحنان لم تتخيل يومًا أنك تحمله بداخلك.
هكذا جاء حفيدي الأول، ابن ابنتي. أحمله بين ذراعي، فأشعر أنه يخفف عن قلبي تعب السنين، ويمنحني فرحة لا أجد كلامًا يكفي لوصفها.
منذ جاء إلى الدنيا، أصبح في حياتي موعد أنتظره بكل شوق. تبعدني ظروف عملي عنه، فلا أراه إلا مرة أو مرتين في الأسبوع، لكن صورته لا تغيب عن بالي. أتذكر وجهه وأنا أعمل، وأشتاق إلى ابتسامته وحركاته الصغيرة، وأنتظر اللحظة التي أراه فيها وأحمله وأضمه إليّ
.
وحين أراه، أشعر أنني وصلت إلى المكان الذي يرتاح فيه قلبي.
أجلس أمامه، وأتأمل عينيه، وأتكلم معه كأنني أتكلم مع رجل كبير يفهم كل ما أقوله. أحكي له وأضحك معه، وأنتظر منه ابتسامة أو صوتًا صغيرًا أو نظرة إليّ. أعرف أنه لم يفهم كلامي بعد، لكنني أشعر أنه يعرف حبي من صوتي، ومن لمسة يدي، ومن فرحتي كلما اقتربت منه.
وحين ألمس يده الصغيرة، أشعر بحنان كبير يسري في قلبي. أقبّله فأحس أنني ملكت الدنيا كلها، وأضمه إلى صدري فأهدأ، وأنسى ما كان يشغلني قبل أن أحمله. وحين أشعر بدقات قلبه، أحس أنها تمنح قلبي قوة جديدة، وتشجعني على أن أكمل مهما كان التعب.
هذا الطفل لا يعرف حتى الآن كم يفعل من أجلي. لا يعرف أن وجوده يريحني، وأن ابتسامته قادرة على أن تغيّر يومي كله، وأنني قد أصل إليه متعبًا ومهمومًا، ثم أغادر وأنا أخفّ تعبًا وأكثر فرحًا.
وأنا معه، أنسى العمل والحزن وكل ما يضايقني. حتى الهاتف، الذي يشغل جزءًا كبيرًا من يومي، أفقد اهتمامي به. لا أنتظر اتصالًا ولا أنشغل برسالة؛ كل ما أريده أن أبقى بجواره، وأتابع وجهه وحركاته، وأستمتع بكل لحظة تجمعني به.
يمر الوقت معه بسرعة لا تعجبني. أنظر إلى الساعة وأتمنى أن تكون قد أخطأت، وأن يكون أمامي وقت أطول. وحين يقترب موعد رحيلي، أجد نفسي أبحث عن دقائق أخرى؛ قبلة أخيرة، وحضن آخر، ونظرة أطمئن بها عليه قبل أن أمشي.
ولرائحته في قلبي حكاية لا أعرف كيف أحكيها. أقترب منه وأشم رائحته، فأشعر براحة وفرحة لا تشبهان شيئًا آخر. أشتاق إلى رائحته كما أشتاق إلى وجهه، وإلى دفئه وهو بين ذراعي، وإلى أنفاسه الصغيرة وأنا أضمه إلى صدري.
ومن شدة حبي له، أجد نفسي أقبل منه كل شيء. أمسح فمه في ملابسي دون أن أنزعج، ولا يضايقني أن يترك عليها أثر طعامه. وحتى بقايا الأكل من فمه، لا أشعر تجاهها بأي نفور. أتعجب أحيانًا من نفسي، ثم أنظر إليه فأفهم: إنه الحب الذي يجعل راحته أهم عندي من أي شيء.
وإذا بكى، أتمنى لو أعرف في اللحظة نفسها ما الذي يؤلمه أو يضايقه، حتى أريحه. أظل أراقب وجهه، وأحاول أن أفهم ما يحتاج إليه،
لا يطمئن قلبي إلا حين يهدأ.
معه، أشعر أنني طفل صغير. أغيّر صوتي كي أضحكه، وأكرر الحركة مرات كثيرة ما دامت تسعده. لا يشغلني كيف أبدو، ولا كم مرة فعلت الشيء نفسه؛ تكفيني ضحكته حتى أفرح من قلبي.
وأحيانًا أشعر أنه ابني من شدة حبي وخوفي عليه.
ثم أنظر إلى أمه، فأتذكر أنها ابنتي التي كنت أحملها يومًا بالطريقة نفسها. أتذكر وجهها وهي صغيرة، وخوفي عليها، وفرحتي بأول كلماتها وخطواتها، وأجدني أعيش معها فرحة جديدة وهي تحمل طفلها.
أن ترى ابنتك أمًّا إحساس كبير. تنظر إليها فتراها كما هي الآن، ثم تتذكرها طفلة تحتاج إلى حضنك. وحين تحمل ابنها، تشعر أن الحب الذي بدأ معها ما زال يكبر، وأن البيت يستقبل فرحة جديدة تجمع الجميع حولها.
ومن شدة تعلقي به، أتمنى أحيانًا أن يظل في حضني وحدي، وأن يكون وقتي معه أطول من أي وقت آخر. لكنني أعرف أنه يحتاج إلى أمه، إلى قربها ورضاعته وراحته معها. فأعيده إلى حضنها، وأبقى أتابعه بعيني، وأطمئن حين أراه مرتاحًا، وأنتظر الوقت الذي أحمله فيه من جديد.
وأحلم كثيرًا باليوم الذي يكبر فيه ويناديني: «يا جدو».
أتخيل صوته وهو يناديني، وأتمنى أن أراه يجري نحوي ويفتح ذراعيه منتظرًا أن أحمله. أحلم بأن ينتظر زيارتي كما أنتظر أنا رؤيته، وأن يفرح بوصولي، ويطلب مني أن أبقى معه قليلًا حين يحين موعد الرحيل.
أنتظر اليوم الذي ينام فيه في حضني وعلى ذراعي. وقتها أعرف أنني سأخاف أن أتحرك حتى لا أوقظه، وسأظل أتأمل وجهه وهو نائم، وأدعو الله أن يحفظه ويسعد قلبه.
وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يخرج فيه معي، فنمشي سويًّا، ونتكلم ونضحك، ويختار ما يحبه فأشتريه له. أتخيل أسئلته الكثيرة، وحكاياته الصغيرة، ويده وهي تمسك بيدي ونحن نعبر الطريق. تفاصيل قد تبدو عادية، لكنها بالنسبة لي أحلام أنتظرها بكل قلبي.
ومع كل شوقي إلى أن يكبر، أريد أن أستمتع به الآن أيضًا. أريد أن أحفظ في ذاكرتي وجهه في هذا العمر، وصوته، وحركات يديه، وطريقته في النظر إليّ. أعرف أنه سيكبر سريعًا، ولذلك أحاول ألا تفوتني فرحة موجودة أمامي وأنا أنتظر فرحة قادمة.
لقد أصبح حفيدي طوق نجاة يخرجني من هموم كثيرة. فالمسؤوليات ما زالت موجودة، والعمل لا ينتهي، والحياة فيها ما يتعب القلب، لكن الوقت الذي أقضيه معه يجعلني أعود أكثر راحة وقدرة على الاستمرار.
وجوده جعلني أشتاق إلى الأيام المقبلة. أريد أن أكون معه وهو يكبر، وأن أشهد خطواته الأولى، وأسمع كلماته، وأشاركه فرحته بكل شيء يتعلمه. وأتمنى حين يصبح قادرًا على الحكي، أن يجدني قريبًا منه، أسمعه وأفهمه وأفرح به.
أريده أن يعرف، مع الأيام، أن له عندي حضنًا يلجأ إليه، وقلبًا يحبه، ووقتًا أحرص أن يكون له مهما شغلتني الحياة.
قد لا يعرف حفيدي الآن مقدار حبي له، وقد تمر سنوات قبل أن يفهم هذه الكلمات. لكنني أتمنى أن يشعر بهذا الحب كلما حملته، وكلما قبّلته، وكلما تركت كل ما في يدي وجلست ألعب معه.
هذه النبتة الصغيرة أعادت إلى قلبي فرحة كنت أحتاج إليها. يكفيني أن أراها بخير، وأن أكون قريبًا منها وهي تكبر.
وفي كل مرة أضم فيها حفيدي إلى صدري، أتمنى أن يطول الوقت، وأجدني أدعو من قلبي: يا رب احفظه، وبارك في عمره، وأعطني من العمر والصحة ما يجعلني أراه يكبر ويفرح… وأظل قادرًا على أن أفتح له ذراعي كلما جاء إليّ.
إلى حفيدي الأول، ونور عيني، وفرحة قلبي… (يزن).






0 تعليقات