#حصريا المفكر الكبير د ناجح إبراهيم يكتب الحكمة عند حكمت

 

الحكمة عند حكمت




بقلم د ناجح إبراهيم  🇪🇬


• جاوزت الخمسين,زوجها كفيف,تخرج من البيت تحمل المناديل الورقية وبعض الحلوى تبيعها في شوارع الإسكندرية,تظل كذلك حتى تجمع ما تيسر,تتسول ولكن بطريقة تحفظ بعضاً من كرامتها.


• أهل الإحسان يعرفونها كلُ يعطيها ما تيسر تقرباً إلي الله وليس ثمناً لهذه الحلوى الرديئة التي يطلبونها جبراً لخاطرها.


• جلست قليلاً علي محطة الترام,سرحت تستعيد شريط حياتها المؤلم,أمها كفيفة ماتت ثم مات الأب,وإذا بشقيقها من أبيها يأخذها ويسافر بها من دمنهور إلي القاهرة ويسلمها إلي أسرة تاجر بلدياتهم لتعمل كخادمة وهي في السابعة.


• كانت لا تعرف شيئاً عن الخدمة في البيوت,فتخطأ كثيراً,ومن كثرة عملها في الماء والتنظيف والمسح تتبول علي نفسها ليلاً,كانت زوجة التاجر تعاقبها أشد العقوبات,كل التشوهات التي في وجهها من ضربات هذه السيدة تارة بالمغرفة أو بالشوكة فضلاً عن الخرطوم والعصا مروراً بحلق الشعر.


• كان التاجر طيباً يشترى لها الحلوى والشيكولاته ويوصي بها,كانت تناديه"يا عمي"أصبحت مع الأيام ماهرة في كل شيء,مكثت عندهم 13 عاماً,حتى أصبح الأولاد لا يستغنون عنها.


• لم تكن تعلم أن لها مرتباً يأخذه شقيقها لينفقه علي المخدرات,ضجت من كثرة الإهانة,ذهبت إلي أسرة طيبة عاملوها كابنتهم,يسوون بينها وبين أولادهم,سكنت نفسها لهذه الأسرة الخلوقة,فؤجئت بإعلان للأسرة الأولي في الصحف تطالبها بالعودة لأن الأولاد يحتاجونها بشدة.


• قرأ شقيقها الإعلان وعرف مكانها واصطحبها قسراً إليهم,ولكنها الآن شابة تملك الرفض والإصرار عليه,لا سيما بعد أن علمت أن شقيقها هذا أكل عرقها وضيعه علي المخدرات.


• اكتشفت أن لها شقيقة كبرى من أبيها أيضاً,ظنت أن الحياة قد ابتسمت لها فإذا بها تظلم من جديد,أقنعتها شقيقتها بالزواج من سائق تاكسي بالإسكندرية,اكتشفت بعد فترة أنه يتعاطي المخدرات,وعصبي,ولا يكتفي بالحشيش,ولكن معه البرشام,لم تجد بداً من الحياة معه بحلوها ومرها.


• في يوم من الأيام استوقفته بعض البلطجية وبعدها أصابته حالة نفسية ظل علي إثرها عاماً كاملاً في المنزل,لم تكن وقتها تملك ثقافة ولا أموالاً للإنفاق علي الطب النفسي.


• تذكرت الآن كيف بدأت تعود للعمل والخدمة في البيوت من جديد,أي عمل تقبله بداية من غسل السجاد إلي مسح السلالم إلي الطبخ والتنظيف مما تسبب في إجهاضها عدة مرات.


• حينما كان يرى الأموال التي تجمعها من هذا العمل المضني يجن جنونه شوقاً للمخدرات ويظل يضربها حتى تستسلم وتعطيه ما معها,في كل مرة كانت تدعو عليه"حسبنا الله ونعم الوكيل فيك"علي عادة المصريين حين يظلمون.


• كانت تتذكر وقتها علقة زوجة التاجر في القاهرة,اليوم هي تعيش في الإسكندرية,ولكن الضرب والإهانة يسيران خلفها,ظلت تعمل وتعمل واشترت لزوجها تروسيكل يجمع عليه الزبالة.


• بعد عدة أعوام لاحظ أنه لا يرى الكتابة أسفل التلفزيون,ذهبت به إلي طبيب العيون فصدمهم بقوله"عينه باظت خلاص"اعملوا أشعة وتحاليل ويحضر لجراحة عاجلة,باعوا التروسيكل وساعدها الجميع لأجل هذه الفحوصات,اكتشفوا أنهم تأخروا طويلاً وانه أصيب بجلوكوما أفقدته البصر كلياً.


• بعد العمى ازداد عصبية وتوقف رغماً عنه عن المخدرات,فالأسرة لا تجد الطعام,ظلت تعمل وتعمل,وعصبيته تزداد وتزداد.


• غضبت منه فتركته وذهبت لبعض أقاربها في إحدى القرى المتاخمة للإسكندرية,زوجه أهل الخير بأمراة ترعاه,وتوسطوا بعد سنوات لتعود إليه وخاصة بعد وفاة شقيقتها.


• زوجت ابنتيها من زوجين يجمعان الزبالة ويتاجران فيها,تقاسمت مع الزوجة الصغيرة العمل,هي تعمل في خارج المنزل وتجلب الرزق والأخرى تهتم بالأولاد,تطوف بالمناديل والحلوى,وأحياناً لا يكون معها ثمن شرائها فيمهلها التاجر.


• الصدقات مع معاش تكافل وكرامة يسدان بعض الرمق.


• تحمد الله أن لديها في المنزل بعض اللوبيا والمكرونة من شهر رمضان الذي يغمر كل الفقراء بالكرم والجود.


• تحمد الله علي كل حال,تتذكر أنهم دوماً يختصرون وجبة من الثلاث,فأحيانا لا نفطر,أو أشترى بـ 2 جنيه فلافل,2 جنيه فول علي الغذاء فتضرب عصفورين بحجر.


• بعد كل هذه السنوات من العنت لا تستطيع العمل الشاق ولا مسح السلالم,هي تمر يومياً بالحلوى الرديئة والمناديل الورقية وكل يجود بما تيسر.


• تردد دوماً"المصريون طيبون"ولولا طيبتهم وكرمهم ما استطعنا العيش ليلة واحدة,لم نبت جوعى أبداً,الرزق يسوقه الله إلينا ولا أرجع للأسرة إلا ومعي طعامهم,بناتي المتزوجات ليسوا علي ما يرام مع أزواجهم,ولكن الحمدلله أن لهم أزواج وأولاد,زوجي الآن أعقل وأهدأ فقد هده العمر والمرض.


• خمسون عاماً مرت من عمرها وهي تنتقل من شقاء لشقاء وتكابد الألم تلو الآخر,ورغم ذلك تشع السكينة من وجهها,تبدو الأيام متشابهة في كل شيء في صعوباتها وآلامها وجراحاتها,الإيجابي الوحيد في حياتها أنه لا يضربها ولا يجرح كرامتها أحد,تردد دوماً لو عشت مع الأسرة الطيبة بالقاهرة لكان حالي أفضل

,ولكن الفقراء والأيتام لا يملكون ترف الاختيار,حكمة الحياة لا تغيب عنها فهي تملك حظاً من اسمها,هكذا تعيش"حكمت"بائعة الحلوى.






إرسال تعليق

0 تعليقات