أنا لست وحيدآ بقلم: عبد السميع المصري

 

أنا لست وحيدآ




بقلم: عبد السميع المصري


قبل أن نبدأ، إليكم هذه الكلمات...


ليست كل الثروات تصنع السعادة، وليست كل الوجوه القريبة تحمل الوفاء.


أحيانًا يعيش الإنسان بين الناس، لكنه يشعر بوحدة أشد من الغربة، حتى يأتي من يثبت له أن القلوب الصادقة ما زالت موجودة، وأن الخير الذي نزرعه يعود إلينا 


في الوقت الذي لا نتوقعه.


في هذه الرواية، سنسافر مع "وحيد"... رجل امتلك المال والنجاح، لكنه افتقد دفء الأسرة، حتى قادته الأقدار إلى طريق لم يكن يتخيله، ليكتشف أن الحب الحقيقي والوفاء لا يُشترى بالمال، وأن الله لا يترك أصحاب القلوب البيضاء وحدهم.


معًا نبدأ أحداث الجزء الأول من رواية...


"أنا لست وحيدآ"


بقلم الكاتب والروائي عبد السميع المصري


اسمي وحيد...


رجل أعمال يملك مجموعة من الشركات تمتد في أكثر من دولة، يعرفني الجميع بأنني الرجل الذي يحول التراب إلى ذهب. هكذا كانوا يقولون عني دائمًا، لكنهم لم يكونوا يعلمون أنني، وسط كل هذا النجاح، كنت أشعر بوحدة لا يعلم بها إلا الله.


منذ رحيل والدي، فقدت السند الحقيقي في حياتي.


كان أبي ليس مجرد أب، بل كان المعلم والصديق والقدوة. علمني كيف تُدار التجارة، وكيف تُبنى الثقة قبل المال، وكيف يكون النجاح الحقيقي في احترام الناس قبل جمع الثروات.


وبعد وفاته، قسمت التركة كما أوصى.


كل واحد من إخوتي الأربعة اختار الشركة التي يريدها، ولم أتردد لحظة في منحهم ما طلبوا. كنت أظن أن العطاء سيقرب القلوب، لكنه للأسف باعد بينها.


صار كل واحد منهم يعيش في عالمه، ولم تعد تجمعنا سوى المناسبات الرسمية، حتى أصبحنا غرباء رغم أننا أبناء بيت واحد.


أما الصدمة الكبرى، فكانت أمي.


كانت قد تجاوزت السبعين من عمرها، لكنها كانت تصر على أن تعيش وكأنها في الأربعين. حفلات وسفر وسهر، ثم أعلنت لنا فجأة أنها تريد الزواج من شاب يصغرها بسنوات.


اجتمعنا جميعًا.


وافق إخوتي دون نقاش، أما أنا فقلت بهدوء:


ـ لا مانع عندي من زواجك يا أمي... لكن دعينا نسأل عن الرجل أولًا، ونتأكد أنه لا يطمع فيما تملكين.


نظرت إلي بغضب وقالت:


ـ أنا قررت... ومن أراد أن يسأل فليسأل بعد الزواج.


شعرت يومها أن البيت الذي بناه أبي بدأ ينهار.


غادرت المنزل وأنا أحمل في داخلي حزنًا لا يوصف.


كنت الوحيد بين إخوتي الذي لم يتزوج.


ليس لأنني أكره الزواج، ولكن لأنني لم أجد يومًا المرأة التي تجعل قلبي يخفق.


كنت أعيش للعمل فقط...


إلى أن جاء ذلك اليوم.


قررت تطوير نظام الإدارة في الشركة، وأعلنت عن وظيفة سكرتيرة تنفيذية تجيد أحدث برامج الحاسب الآلي، لأنني كنت أريد شخصًا يعمل إلى جواري بشكل مباشر.


تقدمت أكثر من ثلاثين فتاة.


جميعهن يمتلكن المؤهلات، وبعضهن كان يتباهى بالشهادات والملابس والأناقة.


لكن عندما دخلت فتاة تُدعى منى...


شعرت بشيء مختلف.


كانت ترتدي ملابس بسيطة جدًا، لا تحمل أي مظاهر للثراء، لكنها كانت هادئة، واثقة، لا تتحدث إلا عند الحاجة.


سألتها:


ـ هل لديك شهادات متخصصة؟


ابتسمت بهدوء وأخرجت ملفًا مليئًا بالشهادات الدولية.


تفاجأت.


قلت:


ـ كيف حصلتِ عليها؟


قالت بابتسامة خجولة:


ـ والدي عامل بسيط... ووالدتي مريضة... وأنا أكبر إخوتي الثلاثة.


أعمل في محل ملابس، وصاحب المحل يعتبرني ابنته. كنت أساعد أبناءه في المذاكرة، فأصر أن يكمل تعليمي ويتحمل تكاليف هذه الدورات.


نظرت إليها بإعجاب.


ثم سألتها:


ـ وهل تخجلين من فقر أسرتك؟


رفعت رأسها بثقة وقالت:


ـ بل أفتخر به... لأن التعب ليس عيبًا.


خرجت من عندي...


وأصدرت قرارًا بتعيينها فورًا، مع مضاعفة الراتب وصرف شهر مقدم.


لكن بعد دقائق عاد مدير الموارد البشرية وقال:


ـ أستاذ وحيد... الآنسة منى رفضت الوظيفة وانصرفت.


وقفت مندهشًا.


ـ رفضتها؟!


قال:


ـ قالت إنها لا تريد صدقة، وإنها تشعر أن حضرتك تحاول مساعدتها بسبب ظروفها.


لأول مرة منذ سنوات...


ابتسمت.


هذه الفتاة ترفض المال حفاظًا على كرامتها.


اتصلت بها بنفسي.


قلت لها:


ـ لم أخترك لأنك فقيرة... ولو أردت مساعدتك لأعطيتك مالًا وانتهى الأمر.


أنا اخترتك لأنك أكثر من شعرت أنها تناسب هذا المكان.


ساد الصمت لحظات...


ثم قالت بصوت خافت:


ـ أعتذر... لقد ظلمتك.


قلت:


ـ أمامك أسبوع حتى تبدئي العمل.


وسأرسل لك مبلغًا لشراء ملابس مناسبة لطبيعة الوظيفة، وسيخصم ثمنها من راتبك بالتقسيط حتى لا تشعري أنها منحة.


وافقت أخيرًا.


وبعد أسبوع...


دخلت منى إلى مكتبي.


كدت لا أعرفها.


لكن شيئًا واحدًا لم يتغير...


تواضعها.


مرت الشهور...


وكانت تعمل بصمت، لا تتدخل فيما لا يعنيها، ولا تتحدث إلا إذا طلبت منها ذلك.


شيئًا فشيئًا، بدأت أثق بها في كل شيء.


وعندما علمت بمرض والدتها، أمرت الشركة بتحمل جميع تكاليف العلاج.


وقفت تبكي أمامي وقالت:


ـ لا أعرف كيف أرد لك هذا الجميل.


قلت لها بابتسامة:


ـ يكفيني أن تؤدي عملك بإخلاص.


لكنني لم أكن أعلم...


أن الأيام كانت تخفي لي امتحانًا قاسيًا، سيغير حياتي كلها، ويكشف لي من يحبني حقًا... ومن كان ينتظر سقوطى.


لينك الجزء الثاني 


https://www.facebook.com/share/p/19Vb6SJiDo/




إرسال تعليق

0 تعليقات