الأديب القدير السيد فريج يكتب الغدر المقدّس ديلي جراف عربية

 

الغدر المقدّس

قصة قصيرة





أحبَّته فاطمة، ابنة الصعيد، طالبة الجامعة الأمريكية. كان أستاذها؛ وقورًا، ذكيًّا، حسن السيرة. قدَّمته لأسرتها الثرية المحافظة، فرحَّبوا به وأحبّوه. تمّ الزواج، وانتقلا إلى القاهرة، حيث عاشا سنواتٍ لم يُعرف عنهما سوى الجدّ، وحُسن المعاملة، وخلقٍ لا يلفت الانتباه.

أنجبا محمدًا وعيسى. كبر الابنان، تخرّج أحدهما مهندسًا، والآخر طبيبًا. تزوّجا من ابنتي خالتهما، وسافرا إلى فرنسا للعمل والحياة. مات والدا فاطمة، وخفّت زياراتها لقريتها حتى انقطعت.

وفي يومٍ لم يُحسب حسابه، شبّ حريقٌ محدود في فيلّا كمال. تجمّع الجيران، حضرت النجدة، أُخمدت النيران دون خسائر تُذكر. غير أنّ الزمن، الذي حفظ الأسرة طويلًا، أبى أن يُكمل جميله.

سقطت ورقة.

وقعت في يد إسماعيل.

شهادة تخرّج:

كمال مراد كامل إسطفيانوس.

قرأها إسماعيل مرارًا. قلّبها بين يديه، حدّق في الاسم طويلًا، ثم انصرف.

لم يهدأ.

قال لنفسه: لعلّه أسلم.

راح يتحرّى، يسأل، يبحث. بين الأزهر والجامعة، بين الكنيسة وأسرة كمال في دمياط. لم يكن الأمر يعنيه، لكنه جعله يعنيه. تأكّد أخيرًا: كمال مسيحيٌّ على دينه.

وفاطمة؟

لعلها استنصرت؟

النتيجة جاءت أسرع مما توقّع: فاطمة مسلمة، محفظة للقرآن الكريم في جمعية خيرية.

نصّب إسماعيل نفسه وكيلًا عن الدين والدولة. واجههما. طال النقاش أيامًا. أقرّا له: كلٌّ على ملّته، زواجهما قام على المصارحة والاقتناع، واتفاقٍ أن تكون الدنيا لهما بقيم السماء.

الابنان اختارا:

محمد الإسلام،

وعيسى المسيحية.

زاد الأمر اشتعالًا حين علم أن زوجة عيسى المسلمة قد استنصرت بإرادتها، دون إكراه، قبل الزواج.

أقسما له أنّهم يعيشون بسلام، يقيمون شعائر دينهم وحدوده، بلا تهويل ولا تهوين. توسّلاه أن يحفظ سرّهما. هزّ رأسه، وقاسمهما الصمت… وأسرّ في نفسه غير ذلك.

لم يحفظ السر.

فضحه.

للأهل، للجيران، للغاضبين.

تعالت الفتاوى: تفريق، ردّة، فسق، زنا.

هاج الناس.

وقبل أن تصل النيابة،

وقبل التحقيق،

وقبل القانون…

سبقهم إسماعيل.

هو ورفاقه.

طعناتٌ متتالية.

وحين كانت الروح تغادر جسدين لم يؤذيا أحدًا، خرج الصوت واهنًا ثابتًا:

"حسبنا الله ونعم الوكيل…

حسبنا الله ونعم الوكيل"


السيد فريج




إرسال تعليق

0 تعليقات