نصر أكتوبر.. حين يشهد الخصم لخصمه بقلم د كامل النحاس

 

نصر أكتوبر  حين يشهد الخصم خصمه

بقلم  د كامل النحاس


قراءة نقدية في: سيمفونية نصر أكتوبر للدكتور ناجح إبراهيم


والمنشور بالديسك المركزى لجريدة ديلى نيوز ويك عربى


لم يبدأ الدكتور ناجح إبراهيم مقاله عن نصر أكتوبر بصوت مصري، وإنما بدأ بأصوات جاءت من الجانب الآخر.


يتحدث عن مقاتلين إسرائيليين سابقين تركت الحرب في ذاكرتهم آثارًا ثقيلة، وعن صدمة وخسائر واجهتها القوات الإسرائيلية في بدايات المواجهة. 


ومن هذه الشهادة ينتقل إلى قصة الجيش المصري: من هزيمة 1967 إلى إعادة البناء، ومن حرب الاستنزاف إلى لحظة العبور.




وهنا تتجاوز قيمة المقال مجرد استعادة ذكرى وطنية.


فالكاتب نفسه كان في مرحلة سابقة من حياته في موقع شديد الخصومة مع الرئيس أنور السادات ونظامه، ثم وصل، بعد تجربة فكرية عميقة، إلى الاعتراف بمسؤوليته عن بعض سلبيات ذلك المسار، وإلى القول بوضوح: 


لو عاد بنا التاريخ إلى الوراء لما اغتلنا السادات،

 ثم إلى إنصاف الرجل في قراءة دوره التاريخي، بعد اعترافه بأن السادات قتل مظلوما، وأن حسناته فاقت سيئاته.


ولم تتوقف قيمة هذه المراجعات عند أصحابها؛ فقد أسهمت في وقف العنف، وفتح الطريق أمام الإفراج عن آلاف المعتقلين، وإنهاء دائرة الدم، وقدمت للمجتمع نموذجًا نادرًا في أن التراجع عن الخطأ يمكن أن يكون فعل قوة ومسؤولية، لا علامة ضعف.




وهكذا يلتقي في المقال نوعان من الشهادة:


 شهادة خصم واجه الجيش المصري في ميدان الحرب،


 وشهادة رجل كان خصمًا للسادات ونظامه ثم أعاد النظر في موقفه من تلك العداوة.


ومن هنا يصبح عنوان المقال أكثر من عنوان بلاغي:


معجزة العبور.. حين يشهد الخصم لخصمه.


والمقصود بـمعجزة العبور هنا : 

ليس أن النصر جاء بمعجزة خارقة لقوانين الحرب، وإنما أن مصر استطاعت، في سنوات قليلة، أن تحول آثار هزيمة 1967 إلى قدرة عسكرية منظمة، وأن تجعل عبور قناة السويس واختراق الساتر الترابي وإقامة رؤوس الكباري على الضفة الشرقية أمرًا ممكنًا بالتخطيط والتدريب والإعداد وحسن استخدام الإمكانات.


بهذا المعنى، كانت المعجزة في التحول نفسه: 


من جيش خرج من هزيمة قاسية إلى جيش استطاع أن يفرض واقعًا عسكريًا جديدًا في السادس من أكتوبر.


من الهزيمة إلى القدرة


لم يبدأ النصر في السادس من أكتوبر 1973.


فبعد نكسة 1967 دخلت القوات المسلحة المصرية مرحلة واسعة من إعادة التنظيم والتدريب والاستعداد، وبرز خلالها الفريق محمد فوزي واللواء عبد المنعم رياض، ثم جاءت حرب الاستنزاف بما وفرته من خبرة قتالية مباشرة.


وهنا يلتقط المقال معنى بالغ الأهمية: 


الجيوش لا تستعيد قدرتها بالشعارات، وإنما بالتدريب والتخطيط والانضباط واستخلاص الدروس.


لقذد كانت السنوات بين 1967 و1973 جزءًا من المعركة نفسها؛ ولذلك فإن السؤال الأعمق ليس فقط: كيف عبر المصريون القناة؟ وإنما: كيف أعادوا بناء القدرة التي جعلت العبور ممكنًا؟


حين أصبح العبور ممكنًا


كانت قناة السويس والساتر الترابي والتحصينات الإسرائيلية تمثل تحديات بالغة الصعوبة أمام القوات المصرية.


ومع ذلك عبرت القوات المصرية القناة، وفتحت ممرات في الساتر الترابي، وأقامت رؤوس كباري على الضفة الشرقية، وبدأت التعامل مع منظومة التحصينات.


ومن أشهر تفاصيل العملية استخدام المياه في فتح ثغرات داخل الساتر الترابي، وهي الفكرة التي ارتبطت باسم المقدم باقي زكي يوسف.


ولا تحتاج هذه الوقائع إلى مبالغة حتى ندرك قيمتها.


فالإنجاز لم يكن في اختفاء المانع، وإنما في تحويل المانع إلى مشكلة يمكن حلها؛ بالفكرة والتخطيط والتدريب والتنفيذ.


وهنا يتجسد معنى «معجزة العبور»: أن يصبح ما بدا شديد الصعوبة مهمة يمكن إنجازها.


حين يشهد الخصم


من اللافت أن يبدأ المقال بشهادة من الجانب الإسرائيلي.


وقد تناولت مصادر وشهادات إسرائيلية عنصر المفاجأة، وصعوبة الأيام الأولى، والخسائر التي تعرضت لها القوات الإسرائيلية، والنجاح المصري في عبور القناة وإقامة موطئ قدم شرقها.


لكن قيمة هذه الشهادات لا تعني قبول كل تفصيل يرد فيها أو في المقال دون فحص؛ فالشهادة مصدر من مصادر التاريخ، وليست التاريخ كله.


إنما أهميتها أنها تأتي من الطرف الذي واجه العبور مباشرة، فتضيف إلى الصورة زاوية أخرى.


وحين يشهد الخصم لخصمه، لا يصبح النصر أكبر من حقيقته، وإنما تصبح الصورة أكثر اكتمالًا.


وهذا هو الاستخدام الأصح لشهادة الخصم: أن تكون شاهدًا على حجم الحدث، لا بديلًا عن الوثيقة.


الجندي الذي صنع الفارق


لا تكتمل قصة أكتوبر بأسماء القادة.


فوراء الخطة جندي المشاة الذي عبر القناة، وأطقم الدفاع الجوي، والقوات الجوية، والصاعقة، والمهندسون، وسائر التشكيلات التي حملت أعباء القتال.


ويتوقف المقال عند روايات عن مقاتلين تمكنوا من تدمير أعداد كبيرة من الدبابات. وهذه الأرقام التفصيلية تحتاج، إذا أريد إدراجها في عمل تاريخي، إلى توثيق مستقل.


أما الصورة العامة فتشير إلى أهمية استخدام الأسلحة المضادة للدبابات في مواجهة الهجمات المدرعة خلال المرحلة الأولى من الحرب، إلى جانب عناصر أخرى من منظومة القتال.


وهنا يظهر أثر التدريب بوضوح: فالجندي الذي يعرف مهمته وسلاحه يستطيع أن يصنع فارقًا كبيرًا في معركة تبدو في ظاهرها شديدة الصعوبة.


قادة وجيش وأمة


ومن حسنات المقال أنه لا يحصر أكتوبر في اسم واحد.


فالفريق محمد فوزي، وعبد المنعم رياض، وسعد الشاذلي، وعبد المنعم واصل، وغيرهم، يمثلون حلقات مختلفة في الإعداد والتخطيط والقيادة والتنفيذ، إلى جانب آلاف الضباط والجنود الذين حملوا الخطة إلى أرض المعركة.


والحرب بطبيعتها عمل مركب: قرار سياسي، وإعداد عسكري، وتخطيط، وقيادة، وتنفيذ، وتضحيات.


ولهذا فإن إنصاف قائد لا يكون بحذف دور غيره، كما أن الاحتفاء بالجندي لا يلغي دور القيادة.


أكتوبر إنجاز مؤسسة وأمة، حملت صفحاته أسماء بارزة، وصنعه في الميدان رجال كثيرون.


السادات داخل قصة العبور


ومن هنا يأتي دور أنور السادات داخل بنية المقال نفسها، لا كفصل منفصل عن الحرب.


فالمقال يبدأ من آثار هزيمة 1967، ثم ينتقل إلى إعادة بناء القوات المسلحة، وحرب الاستنزاف، وتراكم الخبرة، ثم يصل إلى لحظة العبور. وداخل هذا التسلسل يأتي السادات بوصفه صاحب القرار السياسي في مرحلة الحرب، بينما كان الإعداد والتخطيط والتنفيذ العسكري مسؤولية منظومة من القادة والضباط والجنود.


وهكذا يصبح الاعتراف بدور السادات جزءًا من اكتمال الصورة، لا اختصارًا لها.


وتكتسب هذه النقطة دلالتها من صاحب المقال نفسه؛ فقد وصل بعد سنوات إلى الاعتراف بخطأ الموقف الذي انتهى إلى اغتيال السادات، وإلى النظر إلى دوره في أكتوبر من زاوية مختلفة.


وليس المقصود أن يتحول ذلك إلى تبرئة شاملة لعهد السادات، وإنما أن يوضع دوره في أكتوبر في موضعه الذي تسمح به الوقائع.


فالإنصاف لا يطلب أن نرى الشخصية كلها بلون واحد؛ وإنما أن نعطي كل فعل قدره، وكل دور موضعه.


حين تتحول الرواية إلى تاريخ


«سيمفونية نصر أكتوبر» مقال غني بالشهادات والصور والقصص، لكنه إذا أريد أن يكون مادة مرجعية، فإن بعض تفاصيله تحتاج إلى مزيد من التوثيق، خاصة الأرقام المحددة وبعض الروايات الفردية والأحكام الواسعة.


وهذا لا ينتقص من قيمة المقال؛ بل يحدد طريقة قراءته.


فالوثيقة تحفظ الحدث، والشهادة تحفظ الذاكرة، والتحليل يساعد على فهم العلاقة بين الوقائع.


وكلما ميزنا بينها، أصبحت صورة أكتوبر أقوى وأكثر بقاءً.


من الذكرى إلى ذاكرة الأجيال


ولهذا تستحق أكتوبر كتابًا جامعًا موثقًا للأجيال، يجمع أهم الوثائق والشهادات المصرية والإسرائيلية والأجنبية، ويوثق مراحل الإعداد والعبور والقتال، ويعطي الشهداء والجنود والقادة حقهم، ويميز بين الحقيقة والرواية والتحليل.


ليس كتابًا للاحتفال فقط، وإنما زادًا معرفيًا للأجيال، وانتصارًا ثانيًا للشهداء والأبطال على النسيان.


الخاتمة.. معجزة العبور


لم تكن معجزة أكتوبر في أن قناة السويس اختفت، أو أن الساتر الترابي زال من تلقاء نفسه، وإنما في أن المصريين حوّلوا هذه الموانع، التي بدت شديدة الصعوبة بعد هزيمة 1967، إلى مسائل لها حلول وخطط ووسائل تنفيذ.


أُعيد بناء الجيش، وتراكمت الخبرة في حرب الاستنزاف، وتطورت أساليب التدريب والتخطيط، ثم جاء القرار والتنفيذ في السادس من أكتوبر.


ومن هنا يمكن فهم معجزة العبور بوصفها معجزة القدرة: قدرة أمة على التعلم من الهزيمة، وإعادة بناء مؤسساتها، وتحويل المعرفة والتدريب والتخطيط إلى فعل عسكري ناجح.


وإذا كان العبور العسكري قد نقل القوات المصرية من غرب القناة إلى شرقها، فإن التجربة الإنسانية التي يعرضها المقال تفتح معنى آخر، أكثر تواضعًا: أن الإنسان يستطيع أن يراجع موقفًا قديمًا، وأن يصحح طريقًا أخطأ فيه.


وبين المعنيين يبقى الدرس الأهم: أن الهزيمة ليست قدرًا نهائيًا، وأن الأمم التي تتعلم من أخطائها تستطيع أن تستعيد قدرتها على الفعل.


ولهذا فإن أفضل ما نقدمه لأكتوبر ليس المبالغة في وصفه، وإنما توثيقه وفهمه ونقله إلى الأجيال كما وقع: نصرًا صنعه إعداد طويل، وقرار سياسي، وتخطيط عسكري، وتضحيات رجال حملوا المعركة إلى نهايتها.


وهكذا يبقى العبور شاهدًا على أن الأمة قد تُهزم في معركة، لكنها لا تُهزم نهائيًا ما دامت قادرة على التعلم وإعادة بناء قوتها.






إرسال تعليق

0 تعليقات